ابن أبي الحديد

11

شرح نهج البلاغة

بعض فقهاء الشيعة ممن كان يشتغل بطرف من علم الكلام على رأى الأشعري : الواجب الكف والامساك عن الصحابة ، وعما شجر بينهم ، فقد قال أبو المعالي الجويني : ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك ، وقال : ( إياكم وما شجر بين صحابتي ) ، وقال : ( دعوا لي أصحابي ، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا لما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) ، وقال : ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) ، وقال : ( خيركم القرن الذي أنا فيه ثم الذي يليه ، ثم الذي يليه ، ثم الذي يليه ) ، وقد ورد في القرآن الثناء على الصحابة وعلى التابعين ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) ! وقد روى عن الحسن البصري إنه ذكر عنده الجمل وصفين فقال : تلك دماء طهر الله منها أسيافنا ، فلا نلطخ بها ألسنتنا . ثم إن تلك الأحوال قد غابت عنا وبعدت أخبارها على حقائقها ، فلا يليق بنا أن نخوض فيها ، ولو كان واحد من هؤلاء قد أخطأ لوجب [ أن يحفظ رسول الله صلى الله عليه وآله فيه ومن المروءة ] ( 1 ) أن يحفظ رسول الله صلى الله عليه وآله في عائشة زوجته ، وفي الزبير ابن عمته ، وفي طلحة الذي وقاه بيده . ثم ما الذي ألزمنا وأوجب علينا أن نلعن أحدا من المسلمين أو نبرأ منه ! وأي ثواب في اللعنة والبراءة ! إن الله تعالى لا يقول يوم القيامة للمكلف : لم لم تلعن ؟ بل قد يقول له : لم لعنت ؟ ولو أن انسانا عاش عمره كله لم يلعن إبليس لم يكن عاصيا ولا آثما ، وإذا جعل الانسان عوض اللعنة استغفر الله كان خيرا له . ثم كيف يجوز للعامة أن تدخل أنفسها في أمور الخاصة ، وأولئك قوم كانوا أمراء هذه الأمة وقادتها ، ونحن اليوم في طبقة سافلة جدا عنهم ، فكيف يحسن بنا التعرض لذكرهم ! أليس يقبح من الرعية أن تخوض في دقائق أمور الملك وأحواله وشئونه التي تجرى بينه وبين أهله وبنى عمه ونسائه وسراريه ! وقد كان

--> ( 1 ) تكملة من ا .